ها قد مضت أثقل وأمتع سنة حتى الآن الحمدلله ، حيث حملت الكثير من الآلام على الصعيد الدراسي والنفسي ، لكن حملت بين طياتها الكثير من الضحك والمتعة أيضا.
في هذه السنة مررت على أربعة أقسام : أولا الأطفال ، فالنساء والولادة ، فالجراحة ، فالباطنية .
كنت أقضي أربعة أيام في الإسبوع في المستشفى ، ويوم الخميس كان مخصص للمحاضرات . والمتعب في هذه السنة كان دوامنا المستمر منذ بداية السنة الدراسية دون أية إجازات ، حتى وجدتني في آخر السنة كالشمعة التي أحترق كلها وماعدت قادرة على العطاء أبدا .
أما متعة هذه السنة كانت تكمن في الولوج لعالم المستشفيات ، والإحتكاك بالأطباء والمرضى ، وإقامة علاقات سريعة هنا وهناك ومساعدة المرضى .
عشقت من الأقسام الأطفال ، ليس حبا في الأطفال فأنا لا أتحملهم أبدا ، والباطنية .
أما الجراحة فاستمتعت به بسبب الأطباء المتعاونين ومجموعتي الرائعة ولكن لم أجد فيه نفسي . وفيه تعلمت خياطة الجروح وضرب الإبر ، وسحب الدم ومساعدة الجراح في العملية . مع إني لم أكن أحب مساعدة الجراح لأن هذا يستدعي مني الوقوف طول العملية وعدم لمس أي شيء إلا المريض حتى لا تُلّوث البيئة المعقمة ، ويجب علي التركيز في ما يطلبه مني الجراح فتارة يطلب منا مسك الملقط وأحيانا مسح الدم وأحيانا قص الخيط . وهناك شيء آخر كان يزعجني في مساعدة الطبيب حيث كان دائما قناع العمليات يدخل في عيني ، فأضطر للطلب من صديقتي بإنزاله عدة مرات في الساعة الواحدة .
ولكن لن أنسى ماحييت العملية التي وقفت فيها لمدة 3 ساعات وهي عملية شد للبطن ، بذلت فيها الكثييييير من الجهد ، حيث كان يطلب مني حمل جلد بطن المريضة الذي كان يبلغ سمكه أكثر عن 5 سم تقريبا _من الشحوم اللاصقة فيه_ بدل أن يضعوه على صدرها لثقله فيؤثر ثقل الجلد على توسع الرئتين والتنفس.
هذه صورة لأول خياطة قمت بها لرجل قام بجرح يده أثناء تقطيعه لشيء ما ، أنا قمت بخياطة أول 3 غرز ، طبعا من لايعرف في الطب كأخواتي سيقول أن الخياطة غير مرتبة ، ولكن الطبيب أثنى كثيرا على الخياطة
وأتعس قسم كان قسم النساء والولادة ، فكم فقدت من شهيتي للأكل و من وزني في تلك الفترة ، ولكن كنت أحب حضور الولادات ومساعدة النساء في الولادة .
لا أخفيكم إني كنت مع كل ولادة أحضرها أبكي ولا أستطيع تمالك نفسي ، من شدة التعب النفسي الذي ينتابني عندما أرى الأم تعاني أثناء الولادة ، وبمجرد أن يولد الطفل ، تتسابق دموعي لأن تشق طريقها على خدي . ولكن الحمدلله كنت ماهرة _ أحسب نفسي_ في حث الأمهات على الصبر حتى الولادة .
في قسم الباطنية ، كنت في مستشفى يعرف عنه بعلاج الوافدين ، فكان فيه الكثير من العمال ، وبصراحة هناك أحببت هذه الطبقة العاملة ، وأحسست بالشفقة عليهم لحاجتهم الشديدة وفقرهم ، هناك فقط أحسست بمدى إنسانية مهنة الطبيب .
أما أكثر المواقف التي لا أنساها في هذا القسم ، أولا لشاب مصري كان يعاني من التهاب الكبد الوبائي سي ، وبدأ في أخذ العلاج ، ولأن الطبيب كان لا يعرف العربية قمت أنا بالترجمة للمريض . ثم بعد ذلك أخذت بإجابة بعض أسئلة المريض مع زميلي محمد بعدها خرجنا مسرعين للحاق بالطبيب .
وبعد مرور عدة أسابيع كنت أنا وصديقتي نقف في أحد الممرات بعد نهاية الدوام نتجاذب أطراف الحديث ، فرآني ذلك المريض وألقى علي التحية والبشر مرسوما على وجهه ، في البداية لم أعرفه حيث كان يبدو في صحة جدا جيدة الحمدلله ، ويلبس قميصا أبيض مخطط بالأحمر وبنطال جينز ، على عكس الحالة التي رأيته فيها من قبل ، مريض ويلبس لباس المستشفى . وبمجرد تذكره فرحت كثيرا كثيرا كثيرا لتحسن حاله ، شعرت وكأني أنا التي كنت مريضة و تحسن حالي ، أخذت أحدثه لعشر دقائق والابتسامة لا تفارق وجهي ، بل كان صدري يملؤه سعادة ما شعرت بها قط من قبل .
الموقف الثاني كان لشاب مواطن يعمل في القوات المسلحة ، أتى لأخذ الجرعة من المضاد عن طريق حقنة تضرب في العضل بعد أن أخذ الجرعة الأولى في عيادة مقر عمله ، ولأنه أتى متأخرا فكانت كل العيادات مغلقة ولا أحد يضربه الإبرة ، فرآني وأخذ يحكي لي القصة ، طلبت منه الذهاب للطوارئ عله يجد من ينقذه هناك ، ولكنه طلب مني مرافقته لأنه تعب من البحث عمن يساعده ، ذهبت معه وأخذت استجدي الممرضات هناك ليضربوه الإبرة ولكن جميعهن رفضن لأنها ليست وظيفة ممرضات الطوارئ بل ممرضات العيادات ، بدأت أشعر بالحنق فذهبت إلى رئيس الممرضين ، فقال لي نفس الشيء فما كان مني أن أقوله له :” إلا هي إبرة لو المريض يوافق جان (كان) أنا ضربته الإبرة” . فقال الممرض : “طيب اضربيه الإبرة إنتِ” ، فالتفت إلى المريض لأرى إن كان سيوافق أم لا ، فقال : “بتسوين خير لو أعرف جان (كان) روحي ضربت عمري” . فأخذته إلى أحد أسرة الطوارئ وضربته الإبرة مع إني كنت خائفة لأني مذ أن خرجت من قسم الجراحة لم أضرب أي إبرة ولكني ضربته بنجاح الحمدلله . وأخذ المريض يشكرني بحرارة على مساعدته وعلى خفة يدي في ضرب الإبرة .
الموقف الثالث كانت رؤية وليد وهو يحتضر أمامي ، وليد _رحمه الله_ كان شابا لم يبلغ العشرين بعد يعاني من ضعف في قلبه دخل المستشفى وبالتحديد وحدة العناية بمرضى القلب في أول يوم لي في قسم الباطنية ، بعد اسبوع تدهورت حالته ونقل إلى العناية المركزة ، ومكث هناك عدة أسابيع ، في يوم وفاته وقبل وفاته بساعات كنت أنا وأطباء قسم الباطنية بجانب المريض الذي يجاور وليد ، فأشر لي وليد طالبا مني الاقتراب منه ، وأخذ يتمتم لي بأشياء لم أفهمها ، فقلت له:” لا أستطيع فهمك ، هل يمكنني إزالة قناع الأكسجين قليلا حتى أسمعك جيدا ؟" “ ، فهز رأسه وقام هو بإزالة القناع ومجددا أخذ يقول أشياء لم أستطع فهما ويؤشر لي ولكن لسانه كان ثقيلا ولم أفهم شيئا ، عندما يئس مني أخذ يردد اسم شخص ما ، فقلت له من هو هذا الشخص ؟ فرد علي : “ أخوي .. موجود؟ ” ، فقلت له : “ لا لايوجد أحد هنا ” ، ثم أخذ يؤشر خلفه ويقول :” في حد وراي ؟ أي هل يوجد أحد ما خلفي “ ، فقلت له : “ لا ” وأخذ يكرر السؤال هذا عدة مرات وأنا أجيبه بالنفي ، ثم بعد ذلك أخذ يكرر اسم آخر وأرجع قناع الاكسجين ، فناداني الطبيب وتركته . بعد عدة ساعات رجعت للعناية المركزة ، ليصلني خبر توقف قلب وليد وإنعاشه وعودة قلبه للعمل مرة أخرى ، ذهبت إلى وليد وكان الأطباء من حوله يحاولون إنعاشه بسبب توقف قلبه مرة أخرى ، لنصف ساعة حاولوا إنعاشه ولكن قلبه لم يستجب فأعلن الطبيب وفاته ، بصراحة لم تكن لي أي ردة فعل ، فقط كنت مصدومة من الموقف ، أما صديقتي فقد أخذت بالبكاء . بعد عودتي بالبيت نسيت الموقف تماما ، ولكن بمجرد أن وضعت رأسي على الوسادة ليلا لأنام ، تذكرت الموقف وأخذت أبكي بحرقة .
–اللهم ارحمنا إذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه-.
وهناك الكثير من القصص التي أود لو كان بإمكاني كتابتها أثرت فيني ، ولكن وقتي ضيق جدا ، فأنا _إن شاء الله_ سأسافر إلى ماليزيا في غضون أسبوع لمدة شهر للتدرب في مستشفى مالايا الجامعي ، فلابتخلوا علي بدعواتكم .
سأكون على تواصل معكم من ماليزيا عبر
تويتر
@Dr_Desires
وعبر instagram
ابحثوا عني لمن يملك التطبيق على الايفون باسم dr_desires
أو هنا الموقع
http://web.stagram.com/n/dr_desires/?vm=grid
أخر بوح ~ في مثل هذا اليوم السنة القادمة إن شاء الله سأكون دكتورة بشكل رسمي ^_^